الشيخ الطبرسي

26

تفسير مجمع البيان

وثالثها : أنها وردت في حرمان ذوي القربى أن يوصى لهم ، بأن يقول الحاضر : لا توص لأقاربك ، ووفر على ورثتك . وقوله ( خافوا عليهم ) : معناه خافوا من جفاء يلحقهم ، أو ظلم يصيبهم ، أو غضاضة ، أو ضعة . ( فليتقوا الله ) : أي فليتق كل واحد من هؤلاء في يتامى غيره أن يجفوهم ويظلمهم ، وليعاملهم بما يحب أن يعامل به يتاماه ، بعد موته . وقيل : فليتقوا الله في الإضرار بالمؤمنين . ( وليقولوا قولا سديدا ) : أي مصيبا عدلا موافقا للشرع والحق . وقيل : انه يريد قولا لا خلل فيه . وقيل : معناه فليخاطبوا اليتامى بخطاب حسن ، وقول جميل . وفي معنى الآية ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " من سره أن يزحزح عن النار ، ويدخل الجنة ، فليأته منيته ، وهو يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويحب أن يأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " . ونهى رسول الله أن يوصى بأكثر من الثلث ، وقال : " والثلث كثير " . وقال لسعد : " لأن تدع ورثتك أغنياء ، أحب إلي من أن تدعهم عالة ، يتكففون الناس " . ثم أوعد الله آكلي مال اليتيم نار جهنم وقال : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) : أي ينتفعون بأموال اليتامى ، ويأخذونها ظلما بغير حق ، ولم يرد به قصر الحكم على الأكل ، الذي هو عبارة عن المضغ والابتلاع ، وفائدة تخصيص الأكل بالذكر أنه معظم منافع المال المقصودة ، فذكره الله تنبيها على ما في معناه من وجوه الانتفاع ، وكذلك معنى قوله ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تأكلوا الربى ) ، وإنما علق الوعيد بكونه ظلما ، لأنه قد يأكله الانسان على وجه الاستحقاق ، بأن يأخذ منه أجرة المثل ، أو يأكل منه بالمعروف ، أو يأخذه قرضا على نفسه ، على ما تقدم القول في ذلك ، فلا يكون ظلما . فإن قيل : إذا أخذه قرضا ، أو أجرة المثل ، فإنما أكل مال نفسه ، ولم يأكل مال اليتيم ؟ فجوابه : لا ، بل يكون آكلا مال اليتيم ، لكن لا على وجه يكون ظلما ، بأن ألزم عوضه على نفسه ، أو استحقه بالعمل . ولو سلمنا ذلك لجاز أن يكون إنما ذكر كونه ظلما لضرب من التأكيد والبيان ، لان أكل مال اليتيم لا يكون إلا ظلما . وسئل الرضا : كم أدنى ما يدخل به آكل مال اليتيم تحت الوعيد في هذه الآية ؟ فقال : " قليله وكثيره واحد إذا كان من نيته أن لا يرده إليهم " . وقوله ( إنما يأكلون في بطونهم نارا ) : قيل فيه وجهان : أحدهما : إن النار